الذهبي
195
العقد الثمين في تراجم النحويين
إلا حفظته ، قرأ على ابن عبد اللّه الشوذي التلمساني الصالح . قال ياقوت : فحدثني شرف الدين قال : حدثني ابن دهاق : حفظت وأنا شاب القرآن ، وكتبا منها " إحياء علوم الدين " للغزالي ، فسافرت إلى تلمسان فكنت أرى رجلا زريا قصيرا طوله نحو ذراع ، وكان يأخذ زنبيله ويحمل السمك بالأجرة ، وما رآه أحد يصلي ، فاتفق أني اجتزت يوما وهو يصلي ، فلما رآني قطع الصلاة ، وأخذ يعبث ، ثم جاء العيد فوجدته في المصلى فقلت : سآخذه معي أطعمه فسبقني . وقال : قد سبقتك ، احضر عندي ، فمضيت معه إلى المقابر فأحضر طعاما حارا يؤكل في الأعيان ، فعجبت وأكلت ، ثم شرع يخبرني بأحوالي كأنه كان معي ، وكنت إذا صليت يخيل لي نور عند قدمي ، فقال لي : أنت معجب تظن نفسك شيئا ، لا ، حتى تقرأ العلوم ، قلت : إني أحفظ القرآن بالروايات ، قال : لا حتى تعلم تأويله بالحقيقة ، فقلت : علمني ، فقال : من غد مربي في السماكين ، فبكرت فخلا بي في موضع ثم جعل يفسر لي القرآن تفسيرا عجيبا مدهشا ، ويأتي بمعاني ، فبهرني ، وقلت : أحب أن اكتب ما تقول ، فقال : كم تقول عمري ؟ قلت : نحو سبعين سنة . قال : بل مائة وعشر سنين ، وقد كنت أقرأ العلم أربعين سنة ثم تركت الإقراء ، فاسأل اللّه أن يفقهك في الدين ، فجعل كلما ألقى علي شيئا حفظته ، قال : فجميع ما ترونه مسني من بركته ، وسمعته يقول : قطب الأرض اليوم ابن الأشقر ، أو قال - الأشقر ، وإن مات قبلي فأنا أصير القطب ، ثم قال المرسي : أنشدني ابن دهاق ، أنشدني الشوذي لنفسه : إذا نطق الوجود أصاخ قوم * بآذان إلى نطق الوجود وذاك النطق ليس به انعجام * ولكن جل عن فهم البليد فكن فطنا تنادى من قريب * ولا تك من ينادى من بعيد ولقي المرسي بفاس أبا عبد اللّه محمد ابن الكتاني ، وكان إماما في الأصول